ميرزا محمد حسن الآشتياني
113
بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )
من شؤون الخطاب الوحداني الصادر من الشارع ومراتبه وحالاته بالنسبة إلى حكم العقل بقبح المؤاخذة على مخالفته وحسنها وإيجابه إطاعته فالحكم الواحد الصادر من الشارع شأني في مرتبته وفعلي في مرتبة أخرى فإذا كان الأمر كذلك فالحاكم بعدم كفاية غير الاحتياط الكلي في إطاعة الأحكام الشرعيّة وكفايته العقل وليس أمر الكفاية والعدم في حكمه على نهج واحد وقد يحكم بعدم الكفاية في حالة وبالكفاية في حالة أخرى وقد أسمعناك غير مرّة في مطاوي كلماتنا سيّما في الجزء الأوّل في التعليقة عند الكلام في مقدمات دليل الانسداد أن للعقل وحكمه طرقا متعدّدة في باب إطاعة المولى وامتثال أمره كالعلم التفصيلي والظن المعتبر بالخصوص من جانب المولى والأصول المعتبرة في الجملة والعلم الإجمالي الذي يعبّر عنه بالاحتياط الكلي والاحتياط الجزئي بمراتبه والامتثال الظنّي والشكيّ الحاصل بالأخذ بأحد الاحتمالين المتساويين والوهمي وإن هذه الطرق مترتبة لا يجوز العدول عن السابق إلى اللاحق إلا بعد تعذّره أو تجويز الشارع أو ترخيصه للأخذ باللاحق كما هو المشاهد في الظن المعتبر بالخصوص مطلقا حيث إن حكم العقل في باب ترتب الطّرق ليس كحكمه في أصل مسألة وجوب الإطاعة وقبح المعصية على الوجه الكلّي والقضية المطلقة حتى لا يقبل ورود حكم الشرع عليه بحيث يرفع موضوعه بل إنّما هو في القضيّة المقيّدة القابلة لارتفاع موضوعه بترخيص الشارع ( نعم ) هنا كلام في الترتيب بين العلم التفصيلي والظنّ الخاص وبين العلم الإجمالي مطلقا أو في الجملة تقدّم شرح القول فيه في الجزء الأول وإن كان المختار خلافا للأكثر عدم الترتيب بينهما مطلقا ومن هنا جوزنا الأخذ بالاحتياط للعامي القادر على التقليد فراجع إليه حتى تقف على حقيقة الأمر فقد تلخّص ممّا ذكرنا الجواب عن السؤال المذكور وأنه لولا ترخيص الشارع لترك بعض المحتملات كان الواجب في حكم العقل الاحتياط الكلي الموجب للعلم بامتثال الواقع الأوّلي وأمّا بعد ترخيصه له فالواجب في حكمه الإتيان بغير المرخص في تركه من المحتملات الباقية وإن لم يختلف الحكم الواقعي بحسب اختلاف الطرق فإن الاختلاف في طريق الإطاعة لا في أصل الحكم الصادر من الشارع إلا فيما يرجع إلى اختلاف الموضوع النفس الأمري كالمرض والصحّة ونحوهما من الحالات فإن أريد من بقاء التكليف بالواقع بقاؤه بحيث يعاقب على مخالفته مطلقا فيمنع منه وإن أريد منه بقاؤه في الجملة بحيث يعاقب على مخالفته إذا اتفقت في ضمن غير ما رخّص في تركه فنسلّمه لكنه لا ينتج ما أراده وهذا الذي ذكرنا هو المراد من التكليف المتوسّط البرزخ بين التكليف بالواقع بما هو هو وعدم التكليف رأسا لا ما ربما يتوهّمه الغافل عما أراده من الكتاب كما انقدح ممّا فصّلنا لك في تحقيق المقام استقامة ما أفاده تفريعيا على ما ذكره في جواب السؤال [ في بيان ما يقتضيه القاعدة عند الانسداد ] ( بقوله ) ومما ذكرنا تبين أن مقتضى القاعدة عند انسداد باب العلم بالأحكام الشرعيّة إلى آخر ما أفاده حيث إنك قد عرفت أن قضيّة تنجّز الخطاب بالعلم الإجمالي هو وجود احتمال الضرر في كل طرف في أطراف الشبهة وهذا الاحتمال على ما عرفته مرارا هي العلّة في حكم العقل بوجوب الاحتياط الكلي وتحصيل العلم بل العلّة في حكمه في جميع موارد قاعدة الشغل وأن إذن الشارع في مخالفة مقتضى العلم الإجمالي في بعض أطراف الشبهة لا يقتضي إلا رفع وجوب الاحتياط بالنسبة إليه خاصّة من حيث استلزامه الأمن من الضرر بالنسبة إليه فيجب الاحتياط عن غيره من المحتملات بمقتضى نفس العلم الإجمالي من غير فرق بين أن يكون هذا البعض المرخّص في تركه بعد العلم الإجمالي بعضا معيّنا أو غير معيّن على ما عرفت الكلام فيه وهذا أصل لا يجوز العدول عنه مطلقا من غير فرق بين الشبهات الموضوعيّة والحكميّة فيما كان العلم الإجمالي فيها مؤثّرا في تنجّز الخطاب بالواقع المجهول بالتفصيل ولازمه كما ترى كون مقتضى القاعدة عند انسداد باب العلم التفصيلي والظن الخاص بأغلب الأحكام المعلومة إجمالا وبطلان الرجوع إلى غير الاحتياط من الأصول وبطلان الرجوع إليه على الوجه الكلّي بحيث يحتاط في جميع موارد احتمال التكليف الإلزامي وجوبا أو تحريما الأخذ بالاحتياط الكلّي بالنسبة إلى غير ما رخّص في ترك الاحتياط بالنسبة إليه من غير أن يلاحظ الشكّ في نفس الواقعة من دون انضمام إلى سائر الوقائع ويرجع إلى الأصل الجاري فيه مع أن المعهود ممّن تمسّك بدليل الانسداد خلاف ذلك حيث إنهم يرجعون في موارد فقد الظن بالتكليف إلى الأصل الجاري فيها من غير التفات إلى الاحتياط الناشئ من العلم الإجمالي الكلي وإن التزموا بالاحتياط فيما كان الشكّ في نفس الواقعة مقتضيا له كالشكّ في المكلّف به ( توضيح ) ذلك أن أطراف العلم الإجمالي في الوقائع المشتبهة بعد فرض انسداد باب العلم التفصيلي والظن الخاص في غالب الأحكام بالنسبة إلى كل من الواجبات المعلومة بالإجمال والمحرّمات خمسة المظنون الوجوب بالظن الاطمئناني ومظنونه بالظن الغير الاطمئناني وموهوم الوجوب في مقابل الظنّ الأول وموهومه في مقابل الثاني ومشكوكات الوجوب وهكذا بالنسبة إلى الوقائع المحتملة للتحريم ومقتضى القاعدة التي عرفتها هو وجوب الاحتياط في كلّ ما يحتمل الوجوب أو التحريم بأقسامهما الخمسة فإذا فرض لزوم العسر أو الاختلال من الاحتياط الكلّي فلا بدّ من تجويز تركه بالنسبة إلى ما ما يندفع به الاختلال والحرج ويبقى الاحتياط على حاله بالنسبة إلى غيره من محتملات التكليف الإلزامي غاية ما هناك أن العقل يحكم باختيار مخالفة الاحتياط الكلّي المجوزة في الجملة من جهة لزوم الحرج منه في ضمن ما كان احتمال مخالفة الواقع فيه في كمال البعد وهو القسم الأول من موهوم الإلزام فإن كفى في دفع العسر فيقتصر عليه ويحتاط في باقي الأقسام الأربعة وإن لم يكف من جهة قلّته فيلحق به القسم الآخر منه فيحتاط في الأقسام الثلاثة الباقية فيأخذ في المشكوكات بالاحتياط الكلي من جهة رعاية العلم الإجمالي بالتكليف الإلزامي في جميع الوقائع المشتبهة كما يأخذ به لذلك في مظنونات التكليف مطلقا من غير فرق بين عنوان رعاية